طاهر سليمان حموده

115

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

عليه عند السلطان الذي كان يضمر له الكراهية من قبل فأقسم السلطان أن يقطعه قطعا فبلغ ذلك السيوطي فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبرني أن رأسه تقطع في يوم كذا وكذا ، فكان الأمر كما قال « 1 » . كما روى الشعراني عن الشيخ عبد القادر الشاذلي أن السيوطي امتحن « المحن الكثيرة وما سمعته يوما واحدا ينحو على من آذاه من الحسدة ولا يقابله بسوء وإنما يقول : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، وصنف في ذلك كتابا سماه تأخير الظلامة إلى يوم القيامة » « 2 » . على أن دياجير الظلمة التي اكتنفت السيوطي في محنته السابقة وفرضت عليه أن يعيش فيها لم تلبث أن تبددت ، وانقشعت السحب القاتمة التي ظللت سماء حياته لثلاثة أشهر ، فقد دالت دولة طومان باي بعد ثورة المماليك عليه ، واضطر إلى الهرب ، وآلت السلطنة إلى الغوري الذي بويع في مستهل شوال عام 906 ه وفي ذلك اليوم ظهر السيوطي بعد اختفائه وقد كفاه اللّه شر السلطان السابق « 3 » . وتقبل الدنيا مرة ثانية على السيوطي فيرى بعينيه ما يحل بخصمه طومان باي إذ هرب واختفى وكثر التفتيش عنه من قبل السلطان الجديد ، وظل مختفيا نحو ثلاثة أشهر ثم انتهى أمره بأن حصره المماليك في أحد المنازل وألقى بنفسه يحاول الفرار ولكنهم اهتبروه بسيوفهم ومزقوه شر ممزق « 4 » . وقد تحول السيوطي بعد هذه المحنة تحولا كبيرا ، ولا شك أن هذه الأحداث كان لها دور كبير في تحوله الأخير ، ولكن الباعث على هذا التحول كان كامنا في نفسه من قبل ، فلقد سبق له أن اعتزل الناس واعتكف في بيته فترة من الوقت بعد بلوغه الأربعين واعتزاله وظائفه ، ثم إن اتجاه الزهد والانقطاع كان مؤثرا في حياته طيلة المدة التي تولى فيها مشيخة البيبرسية ، بالرغم من مشاركته في الحياة العامة وإسهامه في النفع العام بالتدريس حيث ظل إلى ذلك الحين يملي الحديث

--> ( 1 ) الشعراني : ذيل الطبقات الكبرى ورقة 21 ، 22 ص 42 ، 43 . ( 2 ) المصدر السابق ورقة 22 ص 43 . ( 3 ) ابن إياس : بدائع الزهور ج 4 ص 5 . ( 4 ) المصدر السابق ج 4 ص 9 ، 10 .